مجموعة مؤلفين

236

نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية

لطافة الحسن وصفاء الذهن وصحة التمييز إلا أن يكون عييّ اللسان ناضب اليراع كليل النظر عن أن يتكلم أو يخط أو يصور عظمة وسمو واشعاع نهج البلاغة الذي قيل عنه وهذا أصح تعبير ( انه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ) فكيف بواضع نهج البلاغة أمير المؤمنين علي ( ع ) الذي هو باب مدينة العلم يفتي أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم وأهل الزبور بزبورهم وأهل الفرقان بفرقانهم . إنه أمير المؤمنين في بلاغته وعلمه وفصله في قضائه وسبقه في اسلامه وشجاعته في مواقفه انه أمير المؤمنين ( ع ) في قربه من رسول اللّه ( ص ) كهارون من موسى وشهادة النبي بأنه الايمان كله يوم برز لعمرو إنه أمير المؤمنين ( ع ) في رده الشمس واخباره بالمغيبات إلى جانب تقاه وزهده وخالص توحيده الذي لا أدل عليه من قوله - ما وحد اللّه من كيفّه ولا حقيقته أصاب من مثله ولا إياه عنى من شبهّه ولا صمده من أشار اليه وتوهمّه كل معروف بنفسه مصنوع وكل قائم في سواه معلول فاعل لا باضطراب آلة مقدر لا بجول فكرة غني لا باستفادة لا تصحبه الأوقات ولا ترفده الأدوات سبق الأوقات كونه والعدم وجوده والابتداء أزله بتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعر له وبمضادته بين الأمور عرف ان لا ضد له وبمقارنته بين الأشياء عرف ان لا قرين له ضادّ النور بالظلمة والوضوح بالبهمة والجمود بالبلل والحرور بالصرد مؤلف بين متعادياتها مقارن بين متبايناتها مقرب بين متباعداتها مفرق بين متدانياتها لا يشمل بحد ولا يحسب بعد وانما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلة إلى نظائرها منعتها منذ القدمية وحمتها قد الأزلية وجنبتها لولا التكملة بها تجلى صانعها للعقول وبها امتنع عن نظر العيون لا يجري عليه السكون والحركة وكيف يجري عليه ما هو اجراه ويعود فيه ما هو ابداه ويحدث فيه ما هو أحدثه إذا التفاوتت ذاته ولتجزأ كنهه ولامتنع من الأزل معناه ولكان له وراء إذ وجد له امام ( إلى آخرها ) - اللّه أكبر - ما أعلى وارفع وأرقى وأسمى هذا النموذج التوحيدي وكم له في نهج البلاغة من أمثال وأشباه عز نظيرها وامتنع مشبهها مما أوجب على الشريف الرضي ان يقول - كان أمير المؤمنين ( ع ) مشرع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها ومنه ظهر مكنونها وعنه أخذت قوانينها وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب وبكلامه استعان كل واعظ بليغ وان كلامه هو الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي وفيه عبقة من الكلام النبوي وليس كلامه إلا البحر الذي لا يساجل والجم الذي لا يحافل - كما حدا بابن أبي الحديد شارح النهج أجزل اللّه ثوابه ان يقول - وما ذا أقول في رجل تعزى اليه كل فضيلة وتنتهي اليه كل فرقة